محمد حسين هيكل

181

حياة محمد ( ص )

في جوف الليل حتى دخل عليها بيتها وحولها نفر من ولدها نيام ومنهم من ترضعه ؛ وكان عمير ضعيف البصر ، فجسّها بيده فوجده الصبي ترضعه فنحّاه عنها ، ثم وضع سيفه في صدرها حتى أنفذه من ظهرها . ورجع عمير من عند النبي بعد أن أخبره الخبر ، فوجد بنيها في جماعة يدفنونها ، فأقبلوا عليه فقالوا : يا عمير أنت قتلتها ؟ قال : « نعم ! فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون . فوالذي نفسي بيده لو قلتم بأجمعكم ما قالت لضربتكم بسيفي حتى أموت أو أقتلكم » . وقد كان من أثر جرأة عمير هذه أن ظهر الإسلام في بني خطمة ، وكانت عصماء زوج رجل منهم ، فأظهر منهم من كان يخفي إسلامه وانضم إلى صف المسلمين وسار معهم . مقتل كعب بن الأشرف ويكفي أن نضيف إلى هذين المثلين مصرع كعب بن الأشرف ، وهو الذي قال حين علم بمقتل سادات مكة : « هؤلاء أشراف العرب وملوك الناس . واللّه لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها » وهو الذي ذهب إلى مكة لما تيقن الخبر يحرّض على محمد وينشد الأشعار ويبكي أصحاب القليب ؛ وهو الذي رجع بعد ذلك إلى المدينة فجعل يشبّب بنساء المسلمين . وأنت تعرف طبائع العرب وأخلاقها ، وتعرف مبلغ تقديرهم للعرض وثورتهم من أجله . وقد بلغ غيظ المسلمين أنهم أجمعوا على قتل كعب ، واجتمع في ذلك عدة منهم ؛ وذهب إليه أحدهم يستدرجه بالطعن على محمد إذ يقول له : كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء من البلاء ، عادتنا العرب ورمونا على قوس واحدة ، وقطعت . عنا السبل حتى ضاع العيال وجهدت الأنفس . ولمّا أنس إلى كعب وأنس إليه كعب طلب إليه مالا لنفسه ولجماعة من أصحابه على أن يرهنوه دروعهم ؛ ورضي كعب على أن يجيئوه من بعد . وإنه لفي داره على بعد من المدينة إذ ناداه صدر الليل أبو نائلة ( أحد المؤتمرين به ) فنزل إليه على رغم تحذير عروسه إيّاه النزول في مثل هذه الساعة من الليل . وسار الرجلان حتى التقيا بأصحاب أبي نائلة وكعب آمن لا يخافهم . وخرج القوم يتماشون حتى مشوا ساعة بعدوا بها عن دار كعب وهم يتجاذبون أطراف الحديث ، ويذكرون من حالهم وما وصلوا إليه من شدّة ما يزيد في طمأنينة كعب . وفيما هم يسيرون كان أبو نائلة يضع يده في رأس كعب ويشمّها ويقول : ما رأيت كالليلة طيبا أعطر قطّ . ولما لم تبق لدى كعب شبهة فيهم ، عاد أبو نائلة فوضع يده على شعر كعب ثم أخذ بفوديه وقال : اضربوا عدوّ اللّه فضربوه بأسيافهم حتى مات . مخاوف اليهود وعدوانهم زاد هذا الحادث في مخاوف اليهود ، فلم يبق منهم إلا من يخاف على نفسه . مع ذلك لم يسكتوا عن محمد ولا عن المسلمين حتى فاضت النفوس أيّ فيض . قدمت امرأة من العرب إلى سوق اليهود من بني قينقاع ومعها حلية جلست إلى صائغ منهم بها ، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها وهي تأبى ، فجاء يهودي من خلفها في سرّ منها فأثبت طرف ثوبها بشوكة إلى ظهرها ، فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا بها فصاحت ؛ فوثب رجل من المسلمين على الصائغ ، وكان يهوديّا ، فقتله وشدّدت اليهود على المسلم فقتلوه . فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود ، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع . وطلب محمد إلى هؤلاء أن يكفوا عن أذى المسلمين وأن يحافظوا عهد الموادعة أو ينزل بهم ما نزل بقريش . فاستخفّوا بوعيده وأجابوه : « لا يغرّنّك يا محمد أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة . إنا واللّه لئن حاربناك لتعلمنّ أنّا نحن الناس » . لم يبق بعد ذلك إلّا مقاتلتهم أو يتعرّض المسلمون ويتعرّض سلطانهم بالمدينة للتداعي ، ثم يصبحوا أحدوثة قريش وقد جعلوا قريشا بالأمس أحدوثة العرب .